موقع نور الحق الاسلامى

موقع نور الحق الاسلامى

)- - *** ♥ (¸.·'´ (¸منتديات كنوز وفوائد منتدى اسلامى ,ترفيهى ,تعليمى)- - *** ♥ (¸.·'´ (¸.
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخولأذاعة القرآن الكريماوقات الصلاة
أهـــلاً وســهــلاً °•. أكتب بالنور على شاشة ذاكرتي بعضاً من مقتطفاتي لآضعها على صفحات اروع فأنقش على جدرانها وعلى جدارن الزمن الماضي و الحاضر ترحيبي بكم وأنتم في الدرب الطويل ما أسعد منتديات نور الحق الاسلامى بحضورك ومن يرغب و يري في نفسه انه اهل للاشرف علي احد اقسام المنتدي فليتفضل وليتابع معي اختكم عذرا يادنيا الجنة تنادينى وارسال رسالة خاصة لى على منتديانا الغالى منتدى نورالحق الاسلامى

شاطر | 
 

 جلاء الأفهام في فضل الصلاة على خير الأنام المؤلف ابن قيم الجوزية ‏فصل : في معنى اسم النبي ‏‏ صلى الله عليه وسلم ‎‎ واشتقاقه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ربيع العمر
عضو مميزة
عضو مميزة
avatar

عدد المساهمات : 548
تاريخ التسجيل : 22/08/2011

مُساهمةموضوع: جلاء الأفهام في فضل الصلاة على خير الأنام المؤلف ابن قيم الجوزية ‏فصل : في معنى اسم النبي ‏‏ صلى الله عليه وسلم ‎‎ واشتقاقه    الجمعة سبتمبر 09, 2011 11:02 am




‏فصل : في معنى اسم النبي ‏‏ صلى الله عليه وسلم ‎‎ واشتقاقه
هذا الاسم هو أشهر أسمائه‏‏ صلى الله عليه وسلم ‎‎ ، وهو اسم منقول من الحمد، وهو في الأصل اسم مفعول من الحمد، وهو يتضمن الثناء على المحمود ومحبته وإجلاله وتعظيمه. هذا هو حقيقة الحمد وبني على زنة مفعل مثل معظم ، ومحبب، ومسود ومبجل، ونظائرها، لأن هذا البناء موضوع للتكثير، فإن اشتق منه اسم فاعل، فمعناه من كثر صدور الفعل منه مرة بعد مرة، كمعلم ، ومفهم، ومبين، ومخلص، ومفرج، ونحوها ، وإن اشتق منه اسم مفعول فمعناه من كثر تكرر وقوع الفعل عليه مرة بعد أخرى صلى الله عليه وسلم إما استحقاقاً أو وقوعاً. فمحمد هو الذي كثر حمد الحامدين له مرة بعد أخرى) أو الذي يستحق أن يحمد مرة بعد أخرى.
ويقال: حمد فهو محمد، كما يقال: علم فهو معلم. وهذا علم وصفة اجتمع فيه الأمران في حقه ‏‏ صلى الله عليه وسلم ‎‎ وإن كان علماً مختصاً في حق كثير ممن تسمى به غيره.
وهذا شأن أسماء الرب تعالى، وأسماء كتابه، وأسماء نبيه، هي أعلام دالة على معان هي بها أوصاف، فلا تضاد فيها العلمية الوصف، بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين، فهو الله، الخالق ، البارئ المصور ، القهار . فهذه أسماء له دالة على معان هي صفاته، وكذلك القرآن، والفرقان، والكتاب المبين، وغير ذلك من أسمائه.
وكذلك أسماء النبي ‏‏ صلى الله عليه وسلم ‎‎ محمد، وأحمد، والماحي، وفي حديث جبير بن مطعم، عن النبي ‏‏ صلى الله عليه وسلم ‎‎ أنه قال: إن لي أسماء : أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر .
فذكر رسول الله ‏‏ صلى الله عليه وسلم ‎‎ هذه الأسماء مبينا ما خصه الله به من الفضل، وأشار إلى معانيها، وإلا فلو كانت أعلاماً محضة لا معنى لها ، لم تدل على مدح، ولهذا قال حسان رضي الله عنه:
‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد‌‌‌‌‌‌
وكذلك أسماء الرب تعالى كلها أسماء مدح ، ولو كانت ألفاظاً مجردة لا معاني لها ، لم تدل على المدح، وقد وصفها الله سبحانه بأنها حسنى كلها ، فقال: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون [الأعراف:18]، فهي لم تكن حسنى لمجرد اللفظ، بل لدلالتها على أوصاف الكمال، ولهذا لما سمع بعض العرب قارئاً يقرأ: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله [المائدة:38]، والله غفور رحيم.
قال: ليس هذا كلام الله تعالى، فقال القارئ: أتكذب بكلام الله تعالى ؟ فقال: لا ، ولكن ليس هذا بكلام الله تعالى، فعاد إلى حفظه وقرأ: والله عزيز حكيم ، فقال الأعرابي: صدقت : عز ، فحكم، فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع.
ولهذا إذا ختمت آية الرحمة باسم عذاب، أوبالعكس، ظهر تنافر الكلام وعدم انتظامه.
وفي السنن من حديث أبي بن كعب حديث: قراءة القرآن على سبعة أحرف ، ثم قال: ليس منهن إلا شاف كاف إن قلت سميعاً عليماً عزيزاً حكيماً، ما لم تختم آية عذاب برحمة ، أو آية رحمة بعذاب .ولو كانت هذه الأسماء أعلاماً محضة لا معنى لها لم يكن فرق بين ختم الآية بهذا أو بهذا.
وأيضاً فإنه سبحانه يعلل أحكامه وأفعاله بأسمائه، ولو لم يكن لها معنى لما كان التعليل صحيحاً ، كقوله: استغفروا ربكم إنه كان غفارا [نوح: 10]، وقوله: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم * وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم [البقرة: 226-227]، فختم حكم الفيء الذي هو الرجوع والعود إلى رضى الزوجة والإحسان إليها، بأنه غفور رحيم يعود على عبده بمغفرته ورحمته إذا رجع إليه، والجزاء من جنس العمل، فكما رجع إلى التي هي أحسن ، رجع الله إليه بالمغفرة والرحمة: وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ، فإن الطلاق لما كان لفظاً يسمع ومعنى يقصد ن عقبه باسم السميع للنطق به العليم بمضمونه.
وكقوله تعالى: ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم [البقرة: 235]، فلما ذكر سبحانه التعريض بخطبة المرأة الدال على أن المعرض في قلبه رغبة فيها ، ومحبة لها، وأن ذلك يحمله على الكلام الذي يتوصل به إلى نكاحها، ورفع الجناح عن التعريض وانطواء القلب على ما فيه من الميل والمحبة، ونفي مواعدتهن سراً. فقيل: هو النكاح، والمعنى: لا تصرحوا لهن بالتزويج إلا أن تعرضوا تعريضاً، وهو القول المعروف.
وقيل : هو أن يتزوجها في عدتها سراً فإذا انقضت العدة أظهر العقد، ويدل على هذا قوله: ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله [البقرة : 235]، وهو انقضاء العدة ، ومن رجح القول الأول قال: دلت الآية على إباحة التعريض بنفي الجناح، وتحريم التصريح بنهي المواعدة سراً، وتحريم عقد النكاح قبل انقضاء العدة، فلو كان معنى مواعدة السر هو إسرار العقد كان تكراراً، ثم عقب ذلك بقوله: واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه [البقرة:235]، أن تتعدوا ما حد لكم فإنه مطلع على ما تسرون وما تعلنون، ثم قال: واعلموا أن الله غفور حليم لولا مغفرته وحلمه لعنتم غاية العنت ، فإنه سبحانه مطلع عليكم يعلم ما في قلوبكم، ويعلم ما تعملون، فإن وقعتم في شيء مما نهاكم عنه فبادروا إليه بالتوبة والاستغفار، فإنه الغفور الحليم.
وهذه طريقة القرآن يقرن بين أسماء الرجاء ، وأسماء الرجاء ، وأسماء المخافة، كقوله تعالى : اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم [المائدة: 98]، وقال أهل الجنة: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور [فاطر:34]، لما صاروا إلى كرامته بمغفرته ذنوبهم وشكره إحسانهم، قالوا: إن ربنا لغفور شكور وفي هذا معنى التعليل، أي بمغفرته وشكره وصلنا إلى دار كرامته، فإنه غفر لنا السيئات ، وشكر لنا الحسنات، وقال تعالى: ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكراً عليماً [النساء:147] فهذا جزاء لشكرهم، أي إن شكرتم ربكم شكركم، وهو عليم بشكركم، لا يخفى عليه من شكره ممن كفره.
والقرآن مملوء من هذا، والمقصود التنبيه عليه ، وأيضاً فإنه سبحانه يستدل بأسمائه على توحيده ونفي الشريك عنه ، ولو كانت أسماء لا معنى لها لم تدل على ذلك، كقول هارون لعبدة العجل: يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن [طه: 90]، وقوله سبحانه في القصة : إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما [طه:98]، وقوله تعالى: وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم [آل عمران: 163]، وقوله سبحانه في آخر سورة الحشر: هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم * هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون [الحشر:22-23]، فسبح نفسه عن شرك المشركين به عقب تمدحه بأسمائه الحسنى المقتضية لتوحيده، واستحالة إثبات شريك له.
ومن تدبر هذا المعنى في القرآن هبط به على رياض من العلم حماها الله عن كل أفاك معرض عن كتاب الله ، واقتباس الهدى منه. ولو لم يكن في كتابنا هذا إلا الفضل وحده لفى من له ذوق ومعرفة، والله الموفق للصواب.وأيضاً فإن الله سبحانه يعلق بأسمائه المعمولات من الظروف والجار والمجرور وغيرهما، ولو كانت أعلاماً محضة لم يصح فيها ذلك، كقوله: والله بكل شيء عليم [الحجرات: 16]، والله عليم بالظالمين [الجمعة:7]، الله عليم بالمفسدين [آل عمران: 63]، وكان بالمؤمنين رحيماً [الفرقان:43]، إنه بهم رؤوف رحيم [التوبة: 117]، والله على كل شيء قدير [آل عمران : 189]، والله محيط بالكافرين [البقرة:19]، وكان الله بهم عليماً [النساء:49]، وكان الله على كل شيء مقتدرا [الكهف:45]، إنه بما يعملون خبير [هود :111]، والله بصير بما تعملون [الحجرات:18]، إنه بعباده خبير بصير [الشورى: 27]، ونظائره كثيرة.
وأيضاً فإنه سبحانه يجعل أسماءه دليلاً على ما ينكره الجاحدون من صفات كماله، كقوله تعالى: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير [الملك:14].
وقد اختلف النظار في هذه الأسماء ، هل هي متباينة نظراً إلى تباين معانيها، وأن كل اسم يدل على معنى غير ما يدل عليه الآخر ، أم هي مترادفة، لأنها تدل على ذات واحدة، فمدلولها لا تعدد فيه، وهذا شأن المترادفات ؟ والنزاع لفظي في ذلك.
والتحقيق أن يقال: هي مترادفة بالنظر إلى الذات ، متباينة بالنظر إلى الصفات ، وكل اسم منها يدل على الذات الموصوفة بتلك الصفة بالمطابقة، وعلى أحدهما وحده بالتضمن ، وعلى الصفة الأخرى بالالتزام.
فصل : في وجه تسمية النبي صلى الله عليه وسلم بمحمد
إذا ثبت هذا فتسميته صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم لما اشتمل عليه من مسماه وهو الحمد، فإن صلى الله عليه وسلم محمود عند الله، ومحمود عند ملائكته، ومحمود عند إخوانه من المرسلين، ومحمود عند أهل الأرض كلهم ، وإن كفر به بعضهم، فإن ما فيه من صفات الكمال محمود عند كل عاقل، وإن كابر عقله جحوداً، أو عناداً، أو جهلاً باتصافه بها ، ولو علم اتصافه بها لحمده فإنه يحمد من اتصف بصفات الكمال، ويجهل وجودها فيه، فهو في الحقيقة حامد له ، وهو صلى الله عليه وسلم اختص من مسمى الحمد بما لم يجتمع لغيره، فإنه اسمه محمد وأحمد، وأمته الحمادون ، يحمدون الله في السراء والضراء، وصلاته وصلاة أمته مفتتحة بالحمد، وخطبته مفتتحة بالحمد، وكتابه مفتتح بالحمد ، هكذا عند الله في اللوح المحفوظ أن خلفاءه وأصحابه يكتبون المصحف مفتتحاً بالحمد ، وبيده صلى الله عليه وسلم لواء الحمد يوم القيامة، ولما يسجد بين يدي ربه عز وجل للشفاعة، ويؤذن له فيها ، يحمد ربه بمحامد يفتحها عليه حينئذ، وهو صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، قال تعالى: ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا [الإسراء: 79].
ومن أحب الوقوف على معنى المقام المحمود فليقف على ما ذكره سلف الأمة من الصحابة والتابعين فيه في تفسير هذه السورة ، كتفسير ابن أبي حاتم، وابن جرير، وعبد بن حميد، وغيرها من تفاسير السلف.
وإذا قام في ذلك المقام حمده حينئذ أهل الموقف كلهم مسلمهم و كافرهم أولهم و آخرهم ، و هو محمود صلى الله عليه وسلم بما ملأ الأرض من الهدى والإيمان والعلم النافع والعمل الصالح، وفتح به القلوب،، وكشف به الظلمة عن أهل الأرض، واستنقذهم من أسر الشياطين ، ومن الشرك بالله والكفر به والجهل به، حتى نال به أتباعه شرف الدنيا والآخرة، فإن رسالته وافت أهل الأرض أحوج ما كانوا إليها ، فإنهم كانوا بين عباد أوثان وعباد صلبان وعباد نيران وعباد الكواكب، ومغضوب عليهم قد باؤوا بغضب من الله ، وحيران لا يعرف ربا يعبده ، ولا بماذا يعبده ، والناس يأكل بعضهم بعضاً ، من استحسن شيئاً دعا إليه ، وقاتل من خالفه، وليس في الأرض موضع قدم مشرق بنور الرسالة، وقد نظر الله سبحانه حينئذ إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا على آثار من دين صحيح، فأغاث الله به البلاد العباد، وكشف به تلك الظلم، وأحيا به من الجهالة، وكثر بعد القلة ، وأعز به بعد الذلة، وأغنى به بعد العيلة، وفتح به أعيناً عمياً ، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، فعرف الناس ربهم ومعبودهم ، غاية ما يمكن أن تناله قواهم من المعرفة، وأبداً وأعاد، واختصر وأطنب في ذكر أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، حتى تجلت معرفته سبحانه في قلوب عباده المؤمنين ، وانجابت سحائب الشك والريب عنها كما ينجاب السحاب عن القمر ليلة إبداره ، ولم يدع لأمته حاجة في هذا التعريف لا إلى من قبله ولا إلى من بعده ، بل كفاهم وشفاهم وأغناهم عن كل من تكلم في هذا الباب: أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون [ العتكبوت:51].
روى أبو داود في مراسيله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى بيد بعض أصحابه قطعة من التوراة فقال: كفى بقوم ضلالة أن يتبعوا كتاباً غير كتابهم أنزل على غير نبيهم ، فأنزل الله عز وجل تصديق ذلك: أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون [ العتكبوت :51، فهذا حال من أخذ دينه عن كتاب منزل على غير النبي صلى الله عليه وسلم فكيف بمن أخذه عن عقل فلان وفلان ، وقدمه على كلام الله ورسوله؟.
وعرفهم الطريق الموصل لهم إلى ربهم ورضوانه ودار كرامته، ولم يدع حسناً إلا أمرهم به ، ولا قبيحاً إلا نهى عنه، كما قال صلى الله عليه وسلم : ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد أمرتكم به، ولا من شيء يقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه .
قال أبو ذر: لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علماً.
وعرفهم حالهم بعد القدوم على ربهم أتم تعريف، فكشف الأمر وأوضحه، ولم يدع باباً من العلم النافع للعباد المقرب لهم إلى ربهم إلا فتحه، ولا مشكلاً إلا بينه وشرحه، حتى هدى الله به القلوب من ضلالها وشفاها به من أسقامها، وأغاثها به من جهلها، فأي بشر أحق بأن يحمد منهصلى الله عليه وسلم وجزاه عن أمته أفضل الجزاء.
وأصح القولين في قوله تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [الأنبياء:107]، أنه على عمومه، وفيه على هذا التقدير وجهان:
أحدهما: أن عموم العالمين حصل لهم النفع برسالته، أما أتباعه فنالوا بها كرامة الدنيا والآخرة، وأما أعداؤه المحاربون له، فالذين عدل قتلهم وموتهم خير لهم من حياتهم، لأن حياتهم زيادة لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة، وهم قد كتب عليهم الشقاء، فتعجيل موتهم خير لهم من طول أعمارهم في الكفر، وأما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته، وهم أقل شراً بذلك العهد من المحاربين له.
وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان به حقن دمائهم وأموالهم وأهلهم واحترامها وجريان أحكام المسلمين عليهم في التوارث وغيرها ، وأما الأمم النائية عنه فإن الله سبحانه رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض فأصاب كل العالمين النفع برسالته.
الوجه الثاني: أنه رحمة لكل أحد ، لكن المؤمنون قبلوا هذه الرحمة فانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها، فلم يخرج بذلك عن أن يكون رحمة لهم، لكن لم يقبلوها، كما يقال: هذا دواء لهذا المرض، فإذا لم يستعمله لم يخرج عن أن يكون دواء لذلك المرض.
ومما يحمد عليه صلى الله عليه وسلم ما جبله الله عليه من مكارم الأخلاق و كرائم الشيم ، فإن من نظر في أخلاقه وشيمه صلى الله عليه وسلم علم أنها خير أخلاق، فإنه صلى الله عليه وسلم كان أعلم الخلق، وأعظمهم أمانة، وأصدقهم حديثاً، و أجودهم و أسخاهم ، وأشدهم احتمالاً، وأعظمهم عفواً ومغفرة، وكان لا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً ، كما روى البخاري في صحيحه : عن عبد الله بن عمرو ، أنه قال في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة: محمد عبدي ورسولي سميته المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء وأفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً ، وقلوباً غلفاً، حتى يقولوا لا إله إلا الله .
وأرحم الخلق وأرأفهم بهم، وأعظم الخلق نفعاً لهم في دينهم ودنياهم ، وأفصح خلق الله، وأحسنهم تعبيراً عن المعاني الكثيرة بالألفاظ الوجيزة الدالة على المراد، وأصبرهم في مواطن الصبر، وأصدقهم في مواطن اللقاء، وأوفاهم بالعهد والذمة، وأعظمهم مكافأة على الجميل بأضعافه، وأشدهم تواضعاً، وأعظمهم إيثاراً على نفسه ، وأشد الخلق ذباً عن أصحابه وحماية لهم ودفاعاً عنهم ، وأقوم الخلق بما يأمر به ، وأتركهم لما ينهي عنه ، وأوصل الخلق لرحمه ، فهو أحق بقول القائل:
‌برد على الأدنى ومرحمة وعلى الأعادي مازن جلد
قال علي رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس صدراً، وأصدقهم لهجة، وألينهم عريكة ، وأكرمهم عشرة ، من رآه بدهية هابه،
ومن خالطه معرفة أحبه ، يقول ناعته : لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم.
فقوله : كان أجود الناس صدراً : أراد به بر الصدر وكثرة خيره، وأن الخير يتفجر منه تفجيراً، وأنه منطو على كل خلق جميل، وكل خير، كما قال بعض أهل العلم: ليس في الدنيا كلها محل كان أكثر خيراً من صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد جمع الخير بحذافيره، وأودع في صدره صلى الله عليه وسلم.
وقوله: أصدق الناس لهجة : هذا مما أقر له به أعداؤه المحاربون له ، ولم يجرب عليه أحد من أعدائه كذبة واحدة قط ، دع شهادة أوليائه كلهم له به ، فقد حاربه أهل الأرض بأنواع المحاربات، مشركوهم وأهل الكتاب منهم، وليس أحد منهم يوماً من الدهر طعن فيه بكذبة واحدة صغيرة ولا كبيرة.
قال المسور بن مخرمة : قلت لأبي جهل_ وكان خالي _ يا خال‍ هل كنتم تتهمون محمداً بالكذب قبل أن يقول مقالته؟ فقال: والله يا ابن أختي لقد كان محمد وهو شاب يدعى فينا الأمين، فلما وخطه الشيب لم يكن ليكذب. قلت : يا خال‍ فلم لا تتبعونه؟ فقال: يا ابن أختي،تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف ، فأطعموا وأطعمنا ، وسقوا وسقينا، وأجاروا وأجرنا، فلما تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي ، فمتى نأتيهم بهذه ؟‍ . أو كما قال.
وقال تعالى : يسليه ويهون عليه قول أعدائه: قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون * ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين [الأنعام: 33-34].
وقوله: ألينهم عريكة: يعني أنه سهل لين ، قريب من الناس ، مجيب لدعوة من دعاه ، قاض لحاجة من استقضاه، جابر لقلب من سأله، لا يحرمه ولا يرده خائباً، إذا أراد أصحابه منه أمراص وافقهم عليه وتابعهم فيه، وإن عزم على أمر لم يستبد دونهم، بل يشاورهم ويؤامرهم، وكان يقبل من محسنهم ويعفو عن مسيئهم.
وقوله: أكرمهم عشرة : يعني أنه لم يكن يعاشر جليساً له إلا أتم عشرة وأحسنها وأكرمها ، فكان لا يعبس في وجهه ولا يغلظ له في مقاله، ولا يطوي عنه بشره، ولا يمسك عليه فلتات لسانه، ولا يؤاخذه بما يصدر منه من جفوة ونحوها، بل يحسن إلى عشيره غاية الإحسان، ويحتمل غاية الاحتمال، فكانت عشرته لهم احتمال أذاهم وجفوتهم جملة، لا يعاقب أحداً منهم ولا يلومه ولا يباديه بما يكره. من خالطه يقول: أنا أحب الناس إليه ، لما يرى من لطفه به، وقربه منه، وإقباله عليه، واهتمامه بأمره، وتضحيته له ، وبذل إحسانه إليه، واحتمال جفوته، فأي عشرة كانت أو تكون أكرم من هذه العشرة.
قال الحسين رضي الله عنه: سألت أبي عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في جلسائه فقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب، و لا فحاش ، ولا عياب ، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه، ولا يخيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وترك ما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحداً ولا يعيبه ، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه ، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة من منطقه، ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم ، ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه ، حتى يجوز، فيقطعه بنهي أو قيام.
وقوله: من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه: وصفه بصفتين خص الله بهما أهل الصدق والإخلاص: وهما الإجلال والمحبة، فكان قد ألقى عليه هيبة منه ومحبة ، فكان كل من يراه يهبه ويجله، ويملأ قلبه تعظيماً وإجلالاً وإن كان عدواً له، فإذا خالطه وعاشره كان أحب إليه من كل مخلوق، فهو المجل المعظم المحبوب المكرم، وهذا كمال المحبة أن تقرن بالتعظيم والهيبة ، فالمحبة بلا تعظيم ولا هيبة ناقصة، والهيبة والتعظيم من غير محبة ناقصة، كما تكون للغادر الظالم نقص أيضاً، والكمال: أن تجتمع المحبة والود، والتعظيم والإجلال، وهذا لا يوجد إلا إذا كان في المحبوب صفات الكمال التي يستحق أن يعظم لأجلها ويحب لأجلها.
ولما كان الله سبحانه وتعالى أحق بهذا من كل أحد كان المستحق لأن يعظم ويكبر ويهاب ويحب، ويود بكل جزء من أجزاء القلب، ولا يجعل له شريك في ذلك ، وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله سبحانه: أن يسوي بينه وبين غيره في هذا الحب، قال تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله [البقرة: 165] فأخبر أن من أحب شيئاً غير الله مثل حبه لله كان قد اتخذه نداً، وقال أهل النار في النار لمعبودهم : تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين [الشعراء: 98]، ولم تكن تسويتهم لهم بالله في كونهم خلقوا السماوات والأرض، أو خلقوهم، أو خلقوا آباءهم ، وإنما سووهم برب العالمين في الحب لهم كما يحب الله، فإن حقيقة العبادة هي الحب والذل، وهذا هو الإجلال والإكرام الذي وصف به نفسه في قوله سبحانه وتعالى: تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام [الرحمن: 78].
وأصح القولين في ذلك: أن الجلال هو التعظيم، والإكرام هو الحب ، وهو سر قول العبد: لا إله إلا الله، والله أكبر ، ولهذا جاء في مسند الإمام أحمد: من حديث أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام أي : الزموها والهجوا بها.
وفي مسند أبي يعلى الموصلي: عن بعض الصحابة ، أنه طلب أن يعرف اسم الله الأعظم ، فرأى في منامه مكتوباً في السماء بالنجوم: يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، وكل محبة وتعظيم للبشر، فإنما تجوز تبعاً لمحبة الله وتعظيمه، كمحبة رسوله وتعظيمه، فإنها من تمام محبة مرسله وتعظيمه، فإن أ/ته يحبونه لحب الله له. ويعظمونه ويجلونه لإجلال الله له ، فهي محبة لله من موجبات محبة الله ، وكذلك محبة أهل العلم والإيمان، ومحبة الصحابة رضي الله عنهم وإجلالهم، تابع لمحبة الله ورسوله لهم.
والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم ألقى الله عليه من المهابة والمحبة ، ولكل مؤمن مخلص حظ من ذلك.
قال الحسن البصري رحمه الله: إن المؤمن رزق حلاوة ومهابة. يعني يحب ويهاب ويجل بها، ألبسه الله سبحانه من ثوب الإيمان المقتضي لذلك ، ولهذا لم يكن بشر أحب إلى بشر ولا أهيب وأجل في صدره من رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر الصحابة رضي الله عنهم.
قال عمرو بن العاص قبل إسلامه: إنه لم يكن شخص أبغض إلي منه ، فلما أسلم لم يكن شخص أحب إليه منه ولا أجل في عينه منه، قال: ولو سئلت أن أصفه لكم لما أطقت ، لأني لم أكن أملأ عيني منه إجلالاً له.
وقال عروة بن مسعود لقريش: يا قوم‍ والله لقد وفدت على كسرى وقيصر والملوك، فما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً صلى الله عليه وسلم، والله ما يحدون النظر إليه تعظيماً له، وما تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فيدلك بها وجهه وصدره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه.
فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتملاً على ما يقتضي أن يحمد مرة بعد مرة سمي محمداً، وهو اسم موافق لمسماه، و لفظ مطابق لمعناه ، والفرق بين محمد وأحمد من وجهين.
أحدهما: أن محمداً هو المحمود حمداً بعد حمد، فهو دال على كثرة حمد الحامدين له، وذلك يستلزم كثرة موجبات الحمد فيه . وأحمد أفعل تفضيل من الحمد يدل على أن الحمد الذي يستحقه أفضل مما يستحقه غيره ، فمحمد زيادة حمد في الكمية، وأحمد زيادة في الكيفية، فيحمد أكثر حمد وأفضل حمد حمده البشر.
الوجه الثاني : أن محمداً هو المحمود حمداً متكرراً كما تقدم، وأحمد هو الذي حمده لربه أفضل من حمد الحامدين غيره، فدل أحد الاسمين وهو محمد على كونه محموداً، ودل الاسم الثاني وهو أحمد على كونه أحمد الحامدين لربه، وهذا هو القياس، فإن أفعل التفضيل والتعجب عند جماعة البصريين لا يبنيان إلا من فعل الفاعل، لا يبنيان من فعل المفعول، بناء منهم على أن أفعل التعجب والتفضيل إنما يصاغان من الفعل اللازم لا من المتعدي، ولهذا يقدرون نقله من فعل وفعل إلى بناء فعل بضم العين، قالوا: والدليل على هذا أنه تعدى بالهمزة إلى المفعول ، فالهمزة التي فيه للتعدية ، نحو: ما أظرف زيداً ، وأكرم عمراً، وأصلهما ظرف وكرم.
قالوا: لأن المتعجب منه فاعل في الأصل، فوجب أن يكون فعله غير متعد.
قالوا: وأما قولهم: ما أضرب زيداً لعمرو، وفعله متعد في الأصل. قالوا: فهو منقول من ضرب إلى وزن فعل اللازم، ثم عدي من فعل بهمزة التعدية.
قالوا: والدليل على ذلك مجيئهم باللام فيقولون: ما أضرب زيداً لعمرو. ولو كان باقياً على تعديه، لقيل: ما أضرب زيداً عمراً، لأنه متعد إلى واحد بنفسه، وإلى الآخر بهمزة التعدية، فلما عدي إلى المفعول بهمزة التعدية عدي إلى الآخر باللام، فعلم أنه لازم، فهذا هو الذي أوجب لهم أن يقولوا: لا يصاغ ذلك إلا من فعل الفاعل، لا من الفعل الواقع على المفعول.
ونازعهم في ذلك آخرون ، وقالوا: يجوز بناء فعل التعجب والتفضيل من فعل الفاعل، ومن الواقع على المفعول، تقول العرب : ما أشغله بالشيء، وهذا من شغل به على وزن سئل، فالتعجب من المشغول بالشيء لا من الشاغل، وكذا قولهم: ما أولعه بكذا، من أولع به مبني للمفعول، لأن العرب التزمت بناء هذا الفعل للمفعول ، ولم تبنه للفاعل، وكذلك قولهم: ما أعجبه بكذا، هو من أعجب بالشيء ، وكذا قولهم:
ما أحبه إلي ، هو تعجب من فعل المفعول، وكذا قولهم : ما أبغضه إلي وأمقته إلي.
وهنا مسألة مشهورة ذكرها سبويه ، و هي أنك تقول: ما أبغضني له، وما أحبني له، وما أمقتني له، إذا كنت أنت المبغض الكاره، والمحب والماقت، فيكون تعجباً من فعل الفاعل، وتقول: ما أبغضني إليه وما أمقتني إليه، وما أحبني إليه ، إذا كنت أنت المبغض الممقوت أو المحبوب، فيكون تعجباً من الفعل الواقع على المفعول، فما كان باللام فهو للفاعل، وما كان بإلى فهو للمفعول، وكذلك تقول ما أحبه إلي، إذا كان هو المحبوب وما أبغضه إلي ، إذا كان هو المبغض ، وأكثر النحاة لا يعللون هذا.
والذي يقال في علته _ والله أعلم _ أن اللام تكون للفاعل في المعنى نحو قولك : لمن هذا الفعل؟ فتقول: لزيد فتأتي باللام، وأماإلى فتكون للمفعول في المعنى ، لأنه يقول: إلى من يصل هذا الفعل ؟ فتقول: إلى زيد.
وسر ذلك أن اللام في الأصل للملك ، أو الاختصاص والاستحقاق، والملك والاستحقاق إنما يستحقه الفاعل الذي يملك ويستحق ، وإلى لانتهاء الغاية، والغاية منتهى ما يقتضيه الفعل، فهي بالمفعول أليق، لأنه تمام مقتضى الفعل.
ومن التعجب من فعل المفعول، قول كعب بن زهير في النبي صلى الله عليه وسلم:
فلهو أخوف عندي إذ أكلمه وقيل إنك محبوس ومقتول
من ضيغم من ضراء الأرض مخدره ببطن عثر غيل دونه غيل
فأخوف هنا من خيف لا من خاف ، وهو نظير أحمد من حمد، كسئل ، لا من حمد كعلم ، وتقول : ما أجنه ، من جن فهو مجنون.
قال البصريون: هذا كله شاذ لا يعول عليه.
قال الآخرون: هذا قد كثر في كلامهم جداً وحمله على الشذوذ غير جائز، لأن الشاذ ما خالف استعمالهم ومطرد كلامهم، وهذا غير مخالف لذلك .
قالوا: وأما تقديركم لزوم الفعل ونقله إلى بناء فعل المضموم، فمما لا يساعد عليه دليل. وأما ما تمسكتم به من التعدية بالهمزة، فليس كما ذكرتم ، والهمزة هنا ليست للتعدية، وإنما هي للدلالة على معنى التعجب والتفضيل، كألف فاعل ، وميم مفعول ، وتاء الافتعال والمطاوعة ، ونحوها من الحروف التي تلحق الفعل الثلاثي، لبيان ما لحقه من الزيادة على مجرد مدلوله، فهذا هو السبب الجالب لهذه الألف ، لا مجرد تعدية الفعل.
قالوا: والذي يدل على هذا أن الفعل الذي يعدى بالهمزة يجوز أن يعدى بحرف الجر وبالتضعيف، تقول: أجلست زيداً وجلسته ، وجلست به ، وأقمته وقومته وقمت به ، وأنمته ونومته ، ونمت به ، ونظائر ذلك، وهنا لا يقوم مقام الهمزة غيرها، فبطل أن تكون للتعدية.
الثاني :أنها تجامع باء التعدية، فتقول : أحسن به وأكرم به، والمعنى ما أكرمه وما أحسنه، والفعل لا تجمع عليه بين معديين معاً.
الثالث: أنهم يقولون : ما أعطى زيداً للدراهم، وما أكساه للثياب، وهذا من أعطى وكسا المتعدي، ولا يصح تقدير نقله إلى عطو إذا تناول، ثم أدخلت عليه همزة التعدية ، كما تأولن بعضهم لفساد المعنى، فإن التعجب إنما وقع من إعطائه لا من عطوه وهو تناوله ، والهمزة فيه همزة التعجب والتفضيل، وحذفت همزته التي في فعله ، فلا يصح أن يقال: هي للتعدية.
قالوا: وأما قولكم إنه عدي باللام في قولهم: ما أضربه لزيد ، ولولا أنه لازم لما عدي باللام، فهذا ليس كما ذكرتم من لزوم الفعل ، وإنما هو تقوية له لما ضعف بمنعه من الصرف، وألزم طريقة واحدة خرج عن سنن الأفعال، وضعف عن مقتضاه، فقوي باللام، وهذا كما يقوى باللام إذا تقدم معموله عليه ، و حصل له بتأخره نوع وهن جبروه باللام، كما قال تعالى: إن كنتم للرؤيا تعبرون [يوسف: 43]، وكما يقوى باللام إذا كان اسم فاعل ، كما تقول: أنا محب لك ، ومكرم لزيد ونحوه، فلما ضعف هذا الفعل بمنعه من الصرف قوي باللام، وهذا المذهب هو الراجح كما تراه، والله أعلم.
فلنرجع إلى المقصود، وهو أنه صلى الله عليه وسلم سمي محمداً وأحمد لأنه يحمد أكثر مما يحمد غيره ، فالاسمان واقعان على المفعول ، وهذا هو المختار، وذلك أبلغ في مدحه وأتم معنى ، ولو أريد به معنى الفاعل لسمي الحماد، وهو كثير الحمد، كما سمي محمداً وهو المحمود كثيراً، فإنه صلى الله عليه وسلم كان أكثر الخلق حمداً لربه، فلو كان اسمه باعتبار الفاعل لكان الأولى أن يسمى حماداً كما أن اسم أمته الحمادون. وأيضاً فإن الاسمين إنما اشتقا من أخلاقه و خصائله المحمودة التي لأجلها استحق أن يسمى محمداً و أحمد، فهو الذي يحمده أهل الدنيا وأهل الآخرة، ويحمده أهل السماء والأرض، فلكثرة خصائله المحمودة التي تفوت عد العادين، سمي باسمين من أسماء الحمد يقتضيان التفضيل والزيادة في القدر والصفة ، والله أعلم.
فصل : قبل تسميته بمحمد ، ومناقشة ذلك من وجوه
وقد ظن طائفة، منهم أبو القاسم السهيلي وغيره ، أن تسميته صلى الله عليه وسلم بـ أحمد كانت قبل تسميته بمحمد، فقالوا: ولهذا بشر المسيح باسم أحمد. وفي حديث طويل في حديث موسى لما قال لربه: يارب إني أجد أمة من شأنها كذا وكذا، فاجعلهم أمتي، قال : تلك أمة أحمد يا موسى، فقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد، قالوا: وإنما جاء تسميته بمحمد في القرآن خاصة ، لقوله تعالى: والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد [محمد: 2]، وقوله: محمد رسول الله [الفتح:49]، وبنوا على ذلك أن اسمه أحمد تفضيل من فعل الفاعل، أي أحمد الحامدين لربه، ومحمد هو المحمود الذي تحمده الخلائق، وإنما يترتب هذا الاسم بعد وجوده وظهوره، فإنه حينئذ حمده أهل السماء والأرض، ويوم القيامة يحمده أهل الموقف ، فلما ظهر إلى الوجود وترتب على ظهوره من الخيرات ما ترتب ، حمده حينئذ الخلائق حمداً مكرراً، فتأخرت تسميته بمحمد، على تسميته بأحمد.
وفي هذا الكلام مناقشة من وجوه:
أحدها: أنه قد سمي بمحمد قبل الإنجيل، كذلك اسمه في التوراة وهذا يقر به كل عالم من مؤمني أهل الكتاب.
ونحن نذكر النص الذي عندهم في التوارة وما هو الصحيح في تفسيره، قال في التوراة في إسماعيل قولاً هذه حكايته: وعن إسماعيل سمعتك ها أنا باركته وأيمنته مماد باد ، وذكر هذا بعد أن ذكر إسماعيل، وأنه سيلد اثني عشر عظيماً ، منهم عظيم يكون اسمه مماد باد وهذا عند العلماء المؤمنين من أهل الكتاب صريح في اسم النبي صلى الله عليه وسلم محمد.
ورأيت في بعض شروح التوراة ما حكايته بعد هذا المتن ، قال الشارح: هذان الحرفان في موضعين يتضمنان اسم السيد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، لأنك إذا اعتبرت حروف اسم محمد وجدتها في الحرفين المذكورين لأن ميمي محمد وهي الحاء ودالة بإزاء بقية الحرفين وهي الباء، والألفان والدال الثانية.
قلت : يريد بالحرفين الكلمتين ، قال: لأن للحاء من الحساب ثمانية من العدد، والباء لها اثنان، وكل ألف لها واحد، والدال بأربعة ، فيصير المجموع ثمانية، وهي قسط الحاء من العدد الجملي، فيكون الحرفان معنى الكلمتين وهما مما باد وقد تضمنا بالتصريح ثلاثة أرباع اسم محمد صلى الله عليه وسلم وربعه الآخر قد دل عليه بقية الحرفين بالكتابة بالطريق التي أشرت إليها.
قال الشارح: فإن قيل: فما مستندكم في هذا التأويل؟.
قلنا: مستندنا فيه مستند علماء اليهود في تأويل أمثاله من الحروف المشكلة التي جاءت في التوراة، كقوله تعالى: يا موسى قل لبني إسرائيل أن يجعل كل واحد منهم في طرف ثوبه خيطاً أزرق له ثمانية أرؤس، ويعقد فيه خمس عقد ويسميه صيصيت ، قال علماء اليهود: تأويل هذا وحكمته أن كل من رأى ذلك الخيط الأزرق وعدد أطرافه الثمانية، وعقده الخمس، وذكر اسمه ، ذكر ما يجب عليه من فرائض الله سبحانه وتعالى، لأن الله تعالى افترض على بني إسرائيل ستمائة وثلاث عشرة شريعة، لأن الصادين والياءين بمائتين، والتاء بأربعمائة فيصير مجموع الاسم ستمائة، والأطراف والعقد ثلاثة عشر، كأنه يقول بصورته واسمه:اذكر فرائض الله عز وجل.
قال هذا الشارح: وأما قول كثير من المفسرين : إن المراد بهذين الحرفين (جداً جداً) لكون لفظ (ماد) قد جاءت مفردة في التوراة بمعنى (جداً) قال: فهذا لا يصح لأجل الباء المتصلة بهذا الحرف، فإنه ليس من الكلام المستقيم قول القائل: أنا أكرمك بجداً، فلما نقل هذا الحرف من التوراة الأزلية التي نزلت في ألواح الجوهر على الكليم بالخط الكينوني، و هذا الحرف فيها موصولاً بالباء، علم أن المراد غير ما ذهب إليه من قال: هي بمعنى جداً، إذ لا تأويل يليق بها غير هذا التفسير، بدليل قوله تعالى في غير هذا الموضع لإبراهيم عن ولده إسماعيل: إنه يلد اثني عشر شريفاً ومن شريف منهم يكون شخص اسمه مماد باد ، فقد صرحت التوراة أن هذين الحرفين اسم علم لشخص شريف معين من ولد إسماعيل فبطل قول من قال: إنه بمعنى المصدر للتوكيد، فإن التصريح بكونه اسم عين يناقض من يدعي أنه اسم معنى، والله أعلم. تم كلامه.
وقال غيره: لا حاجة إلى هذا التعسف في بيان اسمه صلى الله عليه وسلم في التوراة، بل اسمه فيها أظهر من هذا كله، وذلك أن التوراة هي باللغة العبرية، وهي قريبة من العربية ، بل هي أقرب لغات الأمم إلى اللغة العربية ، وكثيراً ما يكون الاختلاف بينهما في كيفيات أداء الحروف والنطق بها من التفخيم والترقيق والضم والفتح، وغير ذلك، واعتبر هذا بتقارب ما بين مفردات اللغتين فإن العرب يقولون: لا والعبرانيين تقول لو فيضمون اللام، ويأتون بالألف بين الواو والألف، وتقول العرب : قدس، ويقول العبرانيون :قدسي ، وتقول العرب: أنت ويقول العبرانيون: أنا، وتقول العرب: يأتي كذا، ويقول العبرانيون: يؤتى فيضمون الياء ، ويأتون بالألف بين هاتين الواو والألف، وتقول العرب: قدسك، ويقول العبرانيون: قد شحا ، وتقول العرب: منه، ويقول العبرانيون: ممنو، وتقول العرب: من يهوذا، ويقول العبرانيون: مهوذا، وتقول العرب: سمعتك، ويقول العبرانيون: شمعيخا، وتقول العرب: من، ويقول العبرانيون: مي، وتقول العرب: يمينه، ويقول العبرانيون: مينو، وتقول العرب: له، ويقول العبرانيون: لو بين الواو والألف، وكذلك تقول العرب: أمة ، ويقول العبرانيون: أموا، وتقول العرب: أرض، ويقول العبرانيون: إيرض،وتقول العرب: واحد، ويقول العبرانيون: إيحاد، وتقول العرب: عالم، ويقول العبرانيون: عولام، وتقول العرب: كيس، ويقول العبرانيون: كييس، وتقول العرب: يأكل، ويقول العبرانيون: يوخل، وتقول العرب: تين، ويقول العبرانيون: تيين، وتقول العرب: إله، ويقول العبرانيون: أولوه، وتقول العرب: إلهنا، ويقول العبرانيون: أولوهينو، وتقول العرب: أبانا، ويقول العبرانيون: أبوتينا، ويقولون: يا صباع إلوهيم يعنون يا أصبع الإله،، ويقولون: مابنم يعنون الابن ويقولون: حاليب بمعنى حليب . فإذا أرادوا يقولون: لا تأكل الجدي في حليب أمه، قالوا: لو توخل لذي ما حلوب أمو.
ويقولون: لو توكلوا، أي لا تأكلوا. ويقولون للكتب: المشتنا ومعناها: بلغة العرب المثناة التي تثنى ، أي تقرأ مرة بعد مرة ، ولا نطيل بأكثر من هذا في تقارب اللغتين ،وتحت هذا سر يفهمه من فهم تقارب ما بين الأمتين والشريعتين.
واقتران التوراة بالقرآن في غير موضع من الكتاب، كقوله تعالى: أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون * قل فاتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين [القصص: 48-49]، وقوله في الأنعام رداً على من قال:
ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس الآية، ثم قال: وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه [الأنعام: 91-92]، وقال في آخر السورة: ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون * وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون [الأنعام:154-155]، وقال في أول سورة آل عمران: الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم * نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل * من قبل هدى للناس [آل عمران:1-2]،وقال: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين * الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون * وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون [الأنبياء:48-50].
ولهذا يذكر سبحانه وتعالى قصة موسى ويعيدها ويبديها، ويسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يناله من أذى الناس: لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : إنه كائن في أمتي ما كان في بني إسرائيل، حتى لو كان فيهم من أتى أمه علانية لكان في هذه الأمة من يفعله .
فتأمل هذا التناسب بين الرسولين والكتابين والشريعتين ، أعني الشريعة الصحيحة التي لم تبدل، والأمتين واللغتين، فإذا نظرت في حروف محمد وحروف مماد باد وجدت الكلمتين كلمة واحدة، فإن الميمين فيهما والهمزة والحاء من مخرج واحد، والدال كثيراً ما تجد موضعها ذالاً في لغتهم : يقولون : إيحاذ للواحد، ويقولون: قوذش في القدس والدال والذال متقاربتان، فمن تأمل اللغتين وتأمل هذين الاسمين لم يشك أنهما واحد. ولهذا نظائر في اللغتين مثل موسى فإنه في اللغة العبرانية موشى بالشين، وأصله الماء والشجر، فإنهم يقولون للماء: مو وشا هو الشجر ، وموسى التقطه آل فرعون من بين الماء والشجر فالتفاوت الذي بين موسى وموشى كالتفاوت بين محمد ومماد باد.
وكذلك إسماعيل هو في لغتهم يشماعيل بالألف بين الياء والألف، وبشين بدل السين، فالتفاوت بينهما كالتفاوت بين محمد ومماد باد وكذلك العيص وهو أخو يعقوب يقولون له عيسى ، وهو عيص، ونظير هذا في غير الأعلام مما تقد قوله: (يشماعون) يعنون : يسمعون،، ويقولون: (آقيم) بمد الهمزة مع ضمها أي : أقيم ، ويقولون: (مي قارب ) أي من قارب، ووسط أخيهيم ، أي إخوتهم، و هذا مما يعترف به كل مؤمن عالم من علماء أهل الكتاب.
والمقصود أن اسم النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة (محمد) كما هو في القرآن (محمد) ، وأما المسيح فإنما سماه (أحمد) كما حكاه الله عنه في القرآن، فإذن تسميته بأحمد وقعت متأخرة عن تسميته محمداً في التوراة، ومتقدمة على تسميته محمداً في القرآن ، فوقعت بين التسميتين محفوفة بهما، وقد تقدم أن هذين الاسمين صفتان في الحقيقة، والوصفية فيهما لا تنافي العلمية، وأن معناهما مقصود، فعرف عند كل أمة بأعرف الوصفين عندها، فمحمد مفعل من الحمد، وهو الكثير الخصال التي يحمد عليها حمداً متكرراً ، حمداً بعد حمد، وهذا إنما يعرف بعد العلم بخصال الخير وأنواع العلوم والمعارف والأخلاق والأوصاف والأفعال التي يستحق تكرار الحمد عليها، ولا ريب أن بني إسرائيل هم أولو العلم الأول، والكتاب الذي قال الله فيه: وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء [الأعراف: 145]، ولهذا كانت أمة موسى أوسع علوماً ومعرفة من أمة المسيح، ولهذا لا تتم شريعة المسيح إلا بالتوراة وأحكامها، فإن المسيح عليه السلام وأمته محالون في الأحكام عليها، والإنجيل كأنه مكمل لها متمم لمحاسنها، والقرآن جامع لمحاسن لمحاسن الكتابين.
فعرف النبي صلى الله عليه وسلم عند هذه الأمة باسم محمد الذي قد جمع خصال الخير، التي يستحق أن يحمد عليها حمداً بعد حمد، وعرف عند أمة المسيح بـ أحمد الذي يستحق أن يحمد أفضل مما يحمد غيره، والذي حمده أفضل من حمد غيره، فإن أمة المسيح أمة لهم من الرياضات والأخلاق والعبادات ما ليس لأمة موسى، ولهذا كان غالب كتابهم مواعظ وزهد وأخلاق وحض على الإحسان والاحتمال والصفح، حتى قيل إن الشرائع ثلاثة: شريعة عدل ، وهي شريعة التوراة، فيها الحكم والقصاص، وشريعة فضل، وهي شريعة الإنجيل، مشتملة على العفو ومكارم الأخلاق والصفح والإحسان ، كقوله: من أخذ رداءك فأعطه ثوبك، ومن لطمك على خدك الأيمن، فأدر خدك الأيسر، ومن سخرك ميلاً فامش معه ميلين، ونحو ذلك. وشريعة جمعت هذا وهذا، وهي شريعة القرآن، فإن يذكر العدل ويوجبه، والفضل ويندب إليه ، كقوله تعالى: وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين [غافر:4]،
فجاء اسمه عند هذه الأمة بأفعل التفضيل الدال على الفضل والكمال، كما جاءت شريعتهم بالفضل المكمل لشريعة التوراة، وجاء في الكتاب الجامع لمحاسن الكتب قبله الاسمين معاً ، فتدبر هذا الفضل وتبين ارتباط المعاني بأسمائها ومناسبتها لها، والحمد لله المان بفضله وتوفيقه.
وقول أبي القاسم: إن اسم محمد صلى الله عليه وسلم إنما ترتب بعد ظهوره إلى الوجود، لأنه حينئذ حمد حمداً مكرراً، فكذلك يقال في اسمه أحمد أيضاً سواء، وقوله في اسمه أحمد إنه تقدم لكونه أحمد الحامدين لربه، وهذا يقدم على حمد الخلائق له ، فبناء منه على أنه تفضيل من فعل الفاعل، وأما على القول الآخر الصحيح فلا يجيء هذا ،وقدم تقدم تقرير ذلك ، والله سبحانه وتعالى أعلم.


......................
.............
........
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ربيع العمر
عضو مميزة
عضو مميزة
avatar

عدد المساهمات : 548
تاريخ التسجيل : 22/08/2011

مُساهمةموضوع: رد: جلاء الأفهام في فضل الصلاة على خير الأنام المؤلف ابن قيم الجوزية ‏فصل : في معنى اسم النبي ‏‏ صلى الله عليه وسلم ‎‎ واشتقاقه    الجمعة سبتمبر 09, 2011 1:12 pm

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
جلاء الأفهام في فضل الصلاة على خير الأنام المؤلف ابن قيم الجوزية ‏فصل : في معنى اسم النبي ‏‏ صلى الله عليه وسلم ‎‎ واشتقاقه
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع نور الحق الاسلامى :: المنتدى الاسلامى :: صفحه في كتاب-
انتقل الى: